محمد بن جرير الطبري
52
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حذروهم ما عاينوا من ذلك يحذرون ، فيؤمنون بالله ورسوله ، حذرا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروا خبرهم . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب ، وهو قول الحسن البصري الذي رويناه عنه ؛ لأن النفر قد بينا فيما مضى أنه إذا كان مطلقا بغير صلة بشيء أن الأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه ، وكان جل ثناؤه قال : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ علم أن قوله : " ليتفقهوا " إنما هو شرط للنفر لا لغيره ، إذ كان يليه دون غيره من الكلام . فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون معناه : ليتفقه المتخلفون في الدين ؟ قيل : ننكر ذلك لاستحالته ؛ وذلك أن نفر الطائفة النافرة لو كان سببا لتفقه المتخلفة ، وجب أن يكون مقامها معهم سببا لجهلهم وترك النفقة ؛ وقد علمنا أن مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببا لمنعهم من التفقه . وبعد ، فإنه قال جل ثناؤه : وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ عطفا به على قوله : لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولا شك أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلا والإنذار قد تقدم من الله إليها ، وللإنذار وخوف الوعيد نفرت ، فما وجه إنذار الطائفة المتخلفة الطائفة النافرة وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إياهما ؟ ولو كانت إحداهما جائز أن توصف بإنذار الأخرى ، لكان أحقهما بأن يوصف به الطائفة النافرة ، لأنها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به ما لم تعاين المقيمة ، ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا من أنها تنذر من حيها وقبيلتها ومن لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه أن ينزل به ما أنزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نظرائه من أهل الشرك . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله قاتلوا من وليكم من قتال الكفار دون من بعد منهم ، يقول لهم : ابدءوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم دارا دون الأبعد فالأبعد . وكان الذين يلون المخاطبين بهذه الآية يومئذ الروم ، لأنهم كانوا سكان الشام يومئذ ، والشام كانت أقرب إلى المدينة من العراق . فأما بعد أن فتح الله على المؤمنين البلاد ، فإن الفرض على أهل كل ناحية قتال من وليهم من الأعداء دون الأبعد منهم ما لم يضطر إليهم أهل ناحية أخرى من نواحي بلاد الإسلام ، فإن اضطروا إليهم لزم عونهم ونصرهم ، لأن المسلمين يد على من سواهم . ولصحة كون ذلك ، تأول كل من تأول هذه الآية أن معناها إيجاب الفرض على أهل كل ناحية قتال من وليهم من الأعداء . ذكر الرواية بذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن شبيب بن غرقدة ، عن عروة البارقي ، عن رجل من بني تميم ، قال : سألت ابن عمر عن قتال الديلم ، قال : عليك بالروم . حدثنا ابن بشار وأحمد بن إسحاق وسفيان بن وكيع ، قالوا : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن يونس عن الحسن : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ قال : الديلم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن الربيع ، عن الحسن : أنه كان إذا سئل عن قتال الروم والديلم تلا هذه الآية : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ قتال الكفار . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، قال : ثنا عمران أخي ، قال : سألت جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، فقلت : ما ترى في قتال الديلم ؟ فقال : قاتلوهم ورابطوهم ، فإنهم من الذين قال الله : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ قتال الكفار . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا سفيان ، عن الربيع ، عن الحسن أنه سئل عن الشام والديلم ، فقال : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ قتال الكفار الديلم . حدثني